أحمد بن علي القلقشندي

65

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الدّواوين ( 1 ) ، وهي : أحقّ الأعمال بأن ينعم فيها النظر الشافي ، ويندب لحمل عبئها الأمين الكافي ، ويحال النظر في تقليدها للقيّم بأمرها ، ويعمل الرأي لارتياد القويّ على ضبطها وحصرها ، ما كان منها جامعا لمصالح الدولة ، حائزا لمهامّ المملكة : وهي أعمال الدّيوان ، والنظر في حفظ وجوه الأموال وما يعين على استنمائها ، ويعود بالزيادة في أصول أبوابها ؛ إذ كان ذلك ملاك الأمور ، وزمام التدبير في حفظ الجمهور ، والمعونة العظمى على الاستكثار من الرجال الذين بهم يتمّ حفظ البلاد وحماية الثّغور . ولمّا سلَّطنا البحث على استصلاح من نؤهّله لهذه المنزلة ، واستخلاص من نحلَّه بهذه المرتبة ، أدّانا الاختبار والانتقاد ، وانتهى بنا الاعتيام والارتياد ، إلى اختيار الشيخ فلان : حين سفرت له النّباهة في الكفاية ، والوجاهة في الخبرة والدّراية ، وجب . . . ( 2 ) على اختصاصه بالفضل الذي تحلَّى بأدبه ، والعفاف الذي اشتهر من مذهبه ، من الخصال الحميدة ، والخلال الرّشيدة ، والفضائل الموروثة والمكتسبة ، والخلائق المنتقاة المهذّبة ، ورأيناه أهلا لإحلال هذه المكانة ، وعدلا قيّما باحتمال هذه الأمانة ، وعلمنا أن الصنيعة عنده زاكية المغارس ، والنعمة المفاضة عليه ضافية الملابس ؛ فقلَّدناه أمر الديوان بحلب وما معها من البلاد المضافة إليها والداخلة في حكمها : قاصي ذلك ودانيه ، وأواسطه وحواشيه ، مقدّمين الاستخارة فيما نبديه من قول ، ونعزم عليه من فعل . وأمرناه أن يستشعر تقوى اللَّه سبحانه فإنّها الجنّة الواقية ، والذخيرة النافعة الباقية ، ويعتلق أسبابها فإنها المنجّية من المهالك ، الهادية إلى السّبل الواضحة

--> ( 1 ) ناظر الدواوين هو الذي يعبّر عنه بناظر الدولة ، ويشارك الوزير في التصرف والنظر في المالية وأرزاق أصحاب القلم من الموظفين خاصة ؛ ويسمى أحيانا ناظر النظَّار أو الصاحب الشريف ، ومقرّه ديوان النظر . ويعاونه في أعماله متولي الديوان ، وهو ثاني رتبة الناظر . ( التعريف بمصطلحات الصبح : ص 343 ) . ( 2 ) بياض بالأصل بقدر كلمة .